ابن جبير

292

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

هول ليلته بأوفر نصيب والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت وقد استسلمنا للقضاء وتمسكنا بأسباب الرجاء ثم تداركنا صنع الله تعالى مع المساء ففترت الريح ولان متن البحر واسفر وجه الجو وأصبحنا يوم الأحد ثاني دجنبر والخامس والعشرين لشعبان وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان وساعدت الريح بعض مساعدة فعدنا نطلب من البر أثرا بعد عين ونرجم الظنون بين متى وأين والله عز وجل لطيف بعباده وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده لا رب سواه شهر رمضان المعظم عرفنا الله البركة والقبول فيه بمنه وكرمه لا رب غيره استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من إزاء الأرض الكبيرة المذكورة وأبصرنا فيها ضياعا وعمارة كثيرة أعلمنا انها من قلورية وهي من بلاد صاحب صقلية لان بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده وحسبك انا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا ونبله بيسير من الماء فنتبلغ به وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده فترفق المسلمون بابتياع ما أمكن منه على غلائه وانتهى إلى مقدار خبزة بدرهم من الخالص فما ظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس انهم يقطعونها في عشرة أيام أو خمسة شعر يوم الغاية فالحازم من ادخل زاد ثلاثين يوما وسائر الناس لعشرين يوما وبخمسة عشر يوما